محمد المختار ولد أباه

9

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

تقديم لما كان اللّه تبارك وتعالى قد منّ على البشرية جمعاء بأن بعث فيها رسوله محمدا ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، خاتم النبيين ورحمة اللّه للعالمين ، وأنزل عليه الذكر الحكيم بلسان عربي مبين ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فإن اللغة العربية هي أشرف اللغات ، وأغناها بالدلالات ، وهي لغة الدين الحنيف ، ولغة الثقافة والحضارة الإسلاميتين في مختلف العصور . وقد شاءت حكمة اللّه تعالى أن ينزل هذا القرآن الكريم عربيا ، معجزا بلفظه ، متعبّدا بتلاوته ، فكان من ثم مرتبطا باللغة العربية أوثق ارتباط ؛ إذ بها تفهم معانيه ، وتفقه مقاصده ، وتستنبط أحكامه ، وتدرك حكمه ، وتتبيّن وجوه إعجازه . ولهذا نشأت علوم اللغة العربية في خدمة القرآن الكريم ، وانبثقت من مقتضيات الثقافة الإسلامية ، التي كان هذا الكتاب المقدس - ولا يزال - قطبها الذي عليه تدور ، منذ نزول القرآن وإلى يوم النشور . ومن أهمّ علوم اللغة العربية وأعظمها فائدة على الإسلام والمسلمين ، علم النحو ، الذي واكب هذا الثقافة منذ انطلاقتها الأولى ؛ إذ أبدع أسسه الإمام عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، ولم يزل يتوسع هذا العلم بتوسّع مجال الحضارة الإسلامية ، وتعدد روافدها ، وتنوّع ميادين إبداعها ، فكان يجسد صورة فريدة لعطائها أسهمت في رسم ألوانها الزاهية مختلف الشعوب الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ، واصطبغت بميزات الأطوار الحضارية المتعاقبة على هذه الأمة عبر القرون .